ميساك باغبودريان محاضراً عن قيادة الأوركسترا
قائد الأوركسترا كما المخرج في المسرح
20/
شباط/2010أقامت جمعية النهضة الفنية في منزل السيد سمير سعيفان بمشروع دمر مساء يوم الجمعة 19 شباط 2010
ولأهمية محاضرة المايسترو ميساك باغبودريان ننشرها كاملة
:قيادة الأوركسترا:
يطلق مصطلح القيادة الموسيقية على العملية التي يقوم من خلالها شخص معين بتوجيه مجموعة من الموسيقيين في أداء عمل موسيقي مشترك.
عندما يقوم عدد كبير من الموسيقيين بالعمل معاً لا بد لهم من إيجاد طريقة للبدء سوية واختيار الإيقاع المناسب وموازنة الأصوات بين بعضها البعض وإيجاد شخصية واحدة للمقطوعة الموسيقية.
تاريخ مفهوم قيادة الأوركسترا:
بدايةً، وعندما كانت مجموعات صغيرة من الموسيقيين تجتمع لأداء بعض المقطوعات لم تكن هناك حاجة لهذا الشخص فقد كان أحد العازفين يتكفل بأداء هذا الدور معتمداً على قوس آلته أو على حركة رأسه. إلا أنه ومع ظهور الفرق الكبيرة بدأ الناس يحتاجون إلى قائد «متفرغ» للقيام بهذه المهام.
وقد بدأ استخدام حركات الأيدي منذ العصور الوسطى كوسيلة للتعبير عن شكل الألحان، وفي الكنيسة جرت العادة أن يحمل قائد الفرقة بيده أي أداة توضح حركته فكان يقوم بتحريك هذه الأداة إلى الأعلى والأسفل لتوضيح الإيقاع وبهذا يكون قد ظهر أول شكل من أشكال عصا القيادة.
في القرن السابع عشر اختلفت أساليب توضيح الإيقاع حيث نلاحظ في صور من تلك الحقبة استخدام الأوراق الملفوفة أو قطعة خشب صغيرة مع استمرار استخدام الأيدي. ويذكر أن عصا كبيرة تم استخدامها في قيادة الأوركسترا تسببت في موت المؤلف الموسيقي جان باتيست لولي الذي هرس قدمه بها أثناء قيادته مقطوعة Te Deum بمناسبة شفاء الملك حيث التهبت قدمه بسبب الكزاز وتوفي بعد شهرين.
وفي نفس المرحلة بقيت عادة أن يقوم أحد أعضاء الفرقة بقيادتها أثناء عزفه وغالباً ما كان هذا الدور يسند للكمان الأول الذي كان يستخدم قوسه بمثابة عصا للقيادة أو عازف الليوت الذي كان يقود الفرقة بحركات رأسه. أما في المقطوعات التي كانت تستوجب استخدام الهاربسيكورد فقد عهدت هذه المهمة إلى عازف هذه الآلة. وفي عروض الأوبرا كان هناك قائدا أوركسترا اثنان: عازف على إحدى الآلات ذات لوحة مفاتيح يهتم بالمغنين وعازف الكمان الأول الذي يهتم بالأوركسترا.
في بداية القرن التاسع عشر أصبح عرفاً أن يختص شخص بقيادة الأوركسترا دون أن يقوم بالعزف أثناء العرض على آلة موسيقية. وبدأ يتوسع حجم الأوركسترا وأصبح استخدام عصا القيادة مألوفاً أكثر كونه أدق من حركة الأيدي والأوراق الملفوفة. ومن أوائل قادة الأوركسترا نذكر: لويس شبور، كارل ماريا فون فيبر، لويس أنطوان جوليان وفيليكس مندلسون. ويمكننا من أسماؤهم أن نكتشف أنهم جميعاً كانوا من المؤلفين الموسيقيين.
مندلسون هو أول قائد أوركسترا استخدم عصا خشبية دقيقة للمحافظة على الإيقاع وهو التقليد المتبع حتى أيامنا هذه وإن وجد قادة أوركسترا مشهورون لا يقومون باستخدام هذه العصا مثل بيير بوليز وديمتري ميتروبولوس.
أما هيكتور برليوز وريتشارد فاغنر فكانا أيضاً من أوائل قادة الأوركسترا وقد كتبوا نصوصاً تتحدث عن هذه المادة. ويعتبر برليوز أول قائد أوركسترا متميز. أما فاغنر فقد كان الشخص الذي غيّر دور قائد الأوركسترا من شخص مسؤول عن توقيت أداء الأدوار والمحافظة على الإيقاع إلى شخص يقوم بإضفاء ترجمة شخصية للمقطوعة.
تقنياً:
تعتمد قيادة الأوركسترا على التواصل الفني بين مؤدّي هذا العمل ولا توجد قواعد حصرية تقضي بصحة طريقة القيادة هذه أو تلك ويمكننا أن نجد تنوعاً كبيراً في أساليب القيادة إلا أنه يمكن تلخيص مهمات قائد الأوركسترا فيما يلي:
تحديد الإيقاع وإعطاء الإشارة للعازفين بحلول دورهم والسيطرة على الصوت الصادر عن المجموعة. وأيضاً دراسة دقيقة لعناصر التعبير الموسيقي للمقطوعة المؤداة (السرعة وتغيراتها، التباين الصوتي، وضوح تقنيات العزف...) وإيصال هذه المعلومات إلى المجموعة. وتساعد في توضيح ذلك حركات الأيدي التي تتم دراستها أثناء دراسة المدونة الموسيقية.
يقوم قائد الأوركسترا بتوضيح النبض بشكل عام بيده اليمنى مع العصا أو بدونها، حيث تقوم اليد برسم أشكال متعارف عليها في الهواء تتعلق بمقياس المقطوعة. ويقوم بعض قادة الأوركسترا باستخدام يديه الاثنتين لتوضيح هذه الأشكال حيث تشكل حركة اليد اليسرى انعكاساً لليد اليمنى إلا أنه وبالنسبة لغالبية قادة الأوركسترا هي حركة يفضل تجنبها والبعض الآخر يراها حركة ممنوعة ويعتبرون أن مهمة اليد الأخرى هي إعطاء إشارات الدخول وتوضيح التعابير الموسيقية والجمل وغيرها من العناصر المكونة للعمل الموسيقي. ويمكن لقائد الأوركسترا استخدام وسائل أخرى لمساعدة العازفين كالتنفس معهم أو عن طريق نظرة عين سريعة.
وبالرغم من أن كل موسيقي عادة يعرف أماكن عزفه وأماكن توقفه إلا أنه في معظم الأحيان يحتاجون إلى إشارة تعطيهم الثقة في الدخول وخاصة بعد فترات صمت طويلة لآلاتهم، فقائد الأوركسترا هو الوحيد الذي يقرأ من المدونة الكاملة للعمل الموسيقي حيث نجد أدوار الآلات المختلفة للفرقة مرتبة بشكل عامودي خلافاً عن نوطة كل عازف والذي يستطيع فقط أن يقرأ الدور المخصص له وبالتالي قائد الأوركسترا هو الوحيد الذي يستطيع رؤية هندسة المقطوعة كاملة وتصور النتيجة المرجوة.
إن قيادة الأوركسترا هي اختصاص معقد، وخاصة أننا ذكرنا أن مهمة قائد الأوركسترا تطورت من «ضابط إيقاع» إلى «مخرج» للعمل الموسيقي. فعلى قائد الأوركسترا أن يكون على معرفة متعمقة بالمدونة الموسيقية ليتمكن من تصحيح الأخطاء التي يمكن لموسيقيي الفرقة الوقوع بها وخلق تصور للألوان الصوتية التي يريدها في المقطوعة دون المساس بأفكار المؤلف وأسلوب عصره، إذ أنه لن يكون مقنعاً أداء مقطوعة من العصر الرومانسي مثلاً بأسلوب وصوت العصر الكلاسيكي.
إضافة إلى المعرفة الموسيقية يجب أن يتمتع قائد الأوركسترا بقدرة التواصل الإنساني الفني مع الموسيقيين لنقل أفكاره وتصوراته الموسيقية إليهم. ويختلف أسلوب عمل كل قائد أوركسترا عن غيره فهناك من يشرح ما يريد في بداية العمل ثم يقوم بإيقاف الأوركسترا بشكل مستمر لتصحيح الأخطاء وهناك من يقل في الكلام ويعتمد على يديه وتعابير وجهه لتوضيح ما يريد من الفرقة. وهناك فئة من قادة الأوركسترا تقوم بأداء المقطوعة من البداية إلى النهاية عدة مرات وفي كل مرة تقل الأخطاء ومن ثم يوجه بعض الملاحظات التي يراها ضرورية ويعود إلى تكرار المقطوعة مرات عديدة. أما فئة أخرى فتقوم باختيار المقاطع الصعبة تقنياً أو موسيقياً للعمل عليها بترو ومن ثم تُربط هذه المقاطع مع بعضها البعض ليكتمل الشكل النهائي للمقطوعة. وهناك قادة أوركسترا يتمتعون بصبر وهدوء أعصاب مقابل قادة آخرين مشهورين بطباعهم الحادة.
وفي النهاية، ومما لاشك فيه أن فن قيادة الأوركسترا هو فن حديث بالنسبة لفنون العزف الآلي ولكنه تطور بسرعة كبيرة ليصل إلى شكله الحالي وليس النهائي حيث ما زالت مدارس قيادة الأوركسترا تعمل على تطوير هذا الفن وصقل شكله.
إدريس مراد
اكتشف سورية